عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

239

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

ويقال أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ، وكان يبالغ في تعليم الشرع ، وإذا دخل رمضان جد في الطاعات ويقول : هذا شهر عظمه ربي عز وجل ، فأنا أولى بتعظيمه . ودخل يوماً على شيخه الجنيد ، فوقف بين يديه ، وصفق بيديه وأنشد : عودوني الوصال والوصل عذب * ورموني بالضد والضد أصعب زعموا حين عاتبوا أن ذنبي * قر طبعي لهم وما ذاك أذنب ألا وحق الخضوع عند التلاقي * ما جزاء من يحب إلا يجب فقال الجنيد : نعم يا أبا بكر . وكانت امرأة الجنيد عنده حاضرة ، فأرادت أن تشتري منه ، فقال لها الجنيد : لا عليك ، وهو غائب لا يراك . ثم بكى بعد إنشاده فقال الجنيد : اشتري منه الآن فقد حضر . وقال بعضهم : دخلت على الشبلي يوماً في داره ، وهو يصيح ويقول : على بعدك لا يصبر من عادته القرب ، ولا يقوى على هجرك من يتمه الحب ، فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب . وقال الشبلي : رأيت معتوهاً عند جامع الرصافة يقول : أنا مجنون ، أنا مجنون ، فقلت له : لم لا تصلي . فأنشأ يقول : يقولون زرنا واقض واجب حقنا * وقد أسقطت حالي حقوقهم عني إذا هم رأوا حالي فلم يأنفوا لها * ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني وقال بعضهم : دخلت على الشبلي ، فرأيته ينتف شعر حاجبه بالملقاط ، فقلت له : سيدي ، إنك تفعل هذا ، وألمه يعود إلي ، فقال : ظهرت لي الحقيقة فلم أستطع حملها ، فإذا دخل على نفسي الألم لكي يستتر عني ، فلا وجدت الألم ، ولا هي استترت عني ، ولا أنا أطيق حملها . وكان أبوه من حجاب الدولة ، وله مقالات وحكايات وعجيبات ، ذكرت شيئاً منها في غير هذا الكتاب . وقد سأله بعض الفقهاء عن مسألة في الحيض امتحاناً فأجابه ، وذكر فيها ثمانية عشر قولاً للعلماء ، وكان قد أراد تخجيله وإظهار جهله في مجلسه بين الخلق ، لكون خلقتهم بطلت باجتماع الناس على الشبلي ، ولم يكن عند ذلك الفقيه من الأقوال المذكورة سوى ثلاثة . سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة فيها تملك سيف الدولة دمشق بعد موت الإخشيذ ، فحاربه به جيوش مصر ، فدفعته